أبطال العصر الرقمي … بين نعوم وناعومي
مادة اعلانية
من طبائع الاستهلاك ، تصنيع أبطال بمعايير جديدة ليس من بينها الشجاعة أو الزعامة السياسية والنضال لمواجهة الظلم والاستعمار مثل صلاح الدين الايوبي أو جيفارا أو غاندي أو مانديلا وليس من بينهم أولئك الذين بذلوا جهودا لخدمة مجتمعاتهم أو لتحقيق السلام او قدموا للبشرية إنجازات علمية استحقوا عنها نوبل، فهؤلاء لا يمكن استخدامهم في الدعاية للسلع ولا شراء ذمهم بأموال، ، لذا تجد أن الفيلسوف الامريكي والمؤرخ والناقد والناشط السياسي نعوم تُشُومِسْكِي، الذي صدر له 100 كتاب ترجمت لمختلف لغات العالم، يتابعه 300 الف متابع فقط، بينما يتابع عارضة الأزياء البريطانية ناعومي 11 مليون!!.هذه المقارنة توضح لنا نوعية أبطال عصر الاستهلاك الرقمي وكيف انحدرت البطولة من الفارس الشجاع أو الزعيم الملهم أو المفكر المبدع، إلى مثل هذا الموديل الذي بلغ أوجه مع الممثلة والعارضة الأمريكية كيم كاردشيان التي يتابعها200 مليون شخص!! ( مقالي في الاهرام غدا السبت 14 مايو 2022.. مع تحياتي لحضراتكم):
أبطال العصر الرقمي .. بين نعوم وناعومي!
يتابع الفيلسوف الامريكي والمؤرخ والناقد والناشط السياسي نعوم تُشُومِسْكِي، الذي صدر له 100 كتاب ترجمت لمختلف لغات العالم، 300 الف متابع على تويتر، بينما يتابع عارضة الأزياء البريطانية من أصل افريقي ناعومي كامبل 11 مليون متابع على انستجرام!!.هذه المقارنة البسيطة توضح لنا نوعية أبطال عصر الاستهلاك الرقمي وكيف انحدرت البطولة من الفارس الشجاع أو الزعيم الملهم أو المفكر المبدع، إلى مثل هذا الموديل أو ما يسمى المؤثر على شبكات التواصل الاجتماعي!
اعتاد الناس منذ القدم البحث عن البطل الذي يعني الشخص الخالد بأعماله وإنجازاته ويمثل رمزا كبيرا أو يجسد قيمة عظيمة، حتى أصبح إرثاً للأجيال وحين يموت البطل في الأذهان يتم خلق آخر بمعايير جديدة، ولكن صورة البطل تغيرت على مر الزمن بدءا من اعتباره نصف آدمي ونصف سماوي، (مثل جلجامش في بلاد سومر)، إلى بطولات الملاحم التراجيدية كما رصدها الشاعر هوميروس في ملحمته «الأوديسة» او الفارس الشجاع الذكي خالد الذكر أبو زيد الهلالي في السيرة الشعبية المعروفة وهكذا استمر الإنسان عبر الزمن في تأطير معنى البطل من خلال شخوص أدبية ودينية وسياسية، بحيث يعتبر في اذهان الناس مثلا أعلى.
ولكن من طبائع الاستهلاك في العصر الرقمي، تصنيع أبطال بمعايير أخرى ليس من بينها الشجاعة أو الزعامة السياسية والنضال لمواجهة الظلم والاستعمار مثل صلاح الدين الايوبي أو جيفارا أو غاندي أو جمال عبد الناصر أو نلسون مانديلا وليس من بينهم أولئك الأشخاص الذين بذلوا جهودا لخدمة مجتمعاتهم أو لتحقيق السلام او قدموا للبشرية إنجازات علمية استحقوا عنها جائزة نوبل، فهؤلاء لا يمكن لعصر الاستهلال استخدامهم في الدعاية والإعلان للسلع والخدمات ولا يمكن شراء ذمهم بأموال، لذا صنعت آلة التسويق أبطالا على مقاسهم لديهم اتباع بالملايين واطلقت عليهم وصفا جديدا هو المؤثر على شبكات التواصل الاجتماعي أي الذي يؤثرا في السلوك والقرار الشرائي للناس، والذين يتابعون هؤلاء المؤثرين الجدد اكثر بمئات المرات من الذي يتابعون السياسيين او المفكرين او الأدباء أو العلماء .
يعتبر انستجرام الآن أهم قناة للتسويق عبر المؤثرين الذين تزايدت قوتهم بعدما تضاعفت القيمة المالية لهذه الظاهرة من 8 مليارات دولار أميركي في عام 2019 إلى نحو 15 مليار هذا العام. ولدينا اليوم أعداد كبيرة من المؤثرين: مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي -وأغلبهم من النساء-. مثلاً الممثلة والعارضة الأمريكية كيم كاردشيان يتابعها200 مليون شخص على «إنستغرام»، بينما يتابع صفحة جريدة «نيويورك تايمز» على «تويتر» 49 مليوناً!!
أما أكثر شخص مؤثر في العالم فهو ليس رئيس الولايات المتحدة ولا رئيس مجلس الأمن، وإنما لاعب كرة القدم كريستيانو رونالدو الذي يتابعه 317 مليون متابع على انستجرام ويحصل على 1.6 مليون دولار مقابل المنشور الواحد على حسابه في ذلك الموقع.
وأثبت هؤلاء أنهم أداة فعالة لتصريف المنتجات -فقد ارتفع الطلب على نوع معين من الأحذية بمعدل 4900 في المائة خلال ساعات قليلة من وضع مغنية مشهورة لديها 136 مليون متابع صورة لها على موقع «إنستغرام» وهي ترتديه! وهكذا يحصل المؤثر على مبالغ طائلة كلما زاد عدد متابعيه. و تزامن مع هذه الظاهرة ، ظهور الصورة المصطنعة للمرأة على «إنستغرام»: وجه شاب -بغض النظر عن العمر الحقيقي لصاحبته- مع بشرة رائقة على الدوام مع شفاه أكبر وعيون واسعة بفضل مرشحات الصور(الفلاتر) وصناعة جراحة التجميل- ولكن هذه الصورة المصطنعة تأتي بالضرورة على حساب نساء الطبقات الفقيرة والوسطى: وشعورهن بالاغتراب تجاه الذات، أو النقص تجاه الآخرين!
إن هذا النموذج من التأثير السلبي لسلوكيات هؤلاء المؤثرين على الجمهور، يثير تساؤلات عديدة، منها هل لدى المؤثرين معايير محددة تلتزم بمواثيق شرف معروفة (كمواثيق الشرف الصحفية) أم أنهم يتصرفون بحسب مصالحهم ويقدمون محتوى يراعي قيمة ما يتقاضونه فقط؟ وألا يعتمد هؤلاء «المؤثرين»، الذين يؤثرون سلباً في كل شيء، في استمرارهم على صمت المجتمع وسلبية قادة الرأي، وغياب الحوارات الحقيقية بين النخب الثقافية؟ وأين دور أستاذة الإعلام في رصد هذه الظاهرة وتحليل تأثيرها السلبي على المجتمع؟