نحو كونفدرالية اقتصادية عربية

مادة اعلانية

د. محمود عبدالعال فرّاج
د. محمود عبدالعال فرّاج
خبير وكاتب اقتصادي

استوقفني منذ عدة أيام خبر تم نشره في المواقع والمنصات الإعلامية كافة، خاص بانضمام بلغاريا ورومانيا إلى منطقة شنغن، التي تضم حوالي 27 دولة، بالتالي تم إلغاء الحاجة إلى استخدام جوازات السفر وضوابط الهجرة على الحدود المشتركة بينهم، بموجب هذا الانضمام أو الاتفاق.
توقفت كثيرًا أتمعن بهذا الإعلان من عدة نواحٍ سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، والذي بدأت فكرته في الأساس بين بعض الدول الأوروبية، بإنشاء كيان اقتصادي يشكل نوعًا من الوحدة والاتحاد الاقتصادي بين الدول التي انضمت إليه في بدايات الفكرة في عام 1957م، تحت مسمى الجماعة الاقتصادية الأوروبية لتطوير سوق مشتركة تُتيح حرية الحركة للسلع، والخدمات، والأفراد، ورأس المال من ناحية المبدأ، إذ تم إنشاء حرية انتقال السلع عبر الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي بين الدول الأعضاء الستّة حينها، وفي مرحلة تالية وعندما بدأ هذا الكيان يتخلف عن بقية اقتصادات العالم المتقدم، ابتعثت مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا في ذلك التاريخ، آرثر كوفيلد، بارون كوفيلد، إلى لجنة ديلور للمبادرة في إعادة إطلاق السوق المشتركة. 
كتب كوفيلد ونشر تقريرًا في العام 1985 فصّل فيه 300 إجراء توجب البتّ فيها لإتمام إنشاء سوق موحدة، لاقى تقرير كوفيلد استحسانًا، وأدى إلى تبنّي القانون الأوروبي الموحد، وهي المعاهدة التي أصلحت آليات اتخاذ القرار في الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وحددت 31 ديسمبر 1992م موعدًا نهائيًا لاستكمال تأسيس السوق الموحدة.
وأُطلَقت السوق الأوروبية الموحدة في 1 يناير 1993م، تمهيدًا لتكون الاتحاد الأوروبي في شكله القائم حاليًّا، الذي تحول -بعد فترة من التطبيق السليم الملائم- إلى ما يشبه الاتحاد والوحدة الكاملة.
ثم اتجهت بنظري إلى الواقع العربي الاقتصادي الذي يتمتع بمقومات تجعل عملية التكامل أو الاتحاد الاقتصادي أيسر بكثير مما حدث في أوروبا، فالعوامل المشتركة التي تجمع الدول العربية من حيث اللغة والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي لدول الوطن العربي، وتحكم تلك الدول في أغلب مسارات التجارة العالمية، بالإضافة إلى كونها موطنًا للعديد من الحضارات البشريّة، كحضارة الفراعنة في وادي النيل بمصر، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، والحضارة البابلية في العراق، والتي شكَّلت حلقة الوصل بين الشرق والغرب، أضف إلى ذلك توسطها لقارات العالم المختلفة، ما أعطى تلك الدول موقعًا استراتيجيًّا، وتميزها عن بقية دول العالم بالتنوع المناخي من مناخ شبه الصحراويّ، إلى مناخ البحر الأبيض المتوسطي، والمناخ الاستوائيّ، والمناخ المداريّ، بالإضافة إلى امتلاك تلك الدول العديد من الثروات، والتي تأتي في مقدمتها الثروة السكانية والثروات المعدنية، من النفط والذهب وغيرهما من المعادن، بالإضافة إلى الثروات المائية والزراعية والحيوانية، كل ذلك كان كفيلًا بإنجاح تجربة الاتحاد أو التكامل الاقتصادي العربي. 
إلا أن ذلك لم يتحقق مطلقًا، نظرًا للعديد من المسببات التي لم تكتب لهذه الفكرة بالظهور؛ فالتكامل الاقتصادي يشير إلى عملية التعاون الاقتصادي بين دول أو مناطق مختلفة من أجل تحقيق الفائدة المتبادلة وتعزيز التكامل الاقتصادي بينها، يشمل ذلك إزالة الحواجز التجارية مثل الرسوم الجمركية والحواجز غير الجمركية، وتنسيق السياسات الاقتصادية والنقدية، وتوحيد القوانين واللوائح الاقتصادية، وتحرير حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين الدول الأعضاء، وهذه الأمور تتطلب تهيئه اجتماعية وفترة زمنية أطول وإجراءات معقدة ووعيًا اجتماعيًّا من الشعوب بأهمية هذا الاتحاد والتكامل الاقتصادي، وهي -كما أسلفنا- عملية تحتاج إلى توعية مجتمعية بأهمية الاتحاد الاقتصادي، وهذا أمر ليس يسيرًا من الناحية العملية؛ فقد رأينا فيما سبق أن تجربة الاتحاد الأوروبي تطلبت العشرات من السنوات، والكثير من الجهد والأبحاث والتوعية، قبل أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه حاليًّا.
إن الاتحاد أو التكامل ليس أمرًا مستحيلًا أو بعيد المنال، لكنه يتطلب تهيئة سياسية ومجتمعية، بالإضافة إلى أنه يتطلب إحداث نوع من التغيير في المناهج الدراسية، التي تشكل تهيئة مسبقة للأجيال القادمة بضرورة تبني فكر التكامل الاقتصادي العربي، وقد تتطلب تدرجًا في تحقيق التكامل الاقتصادي، سواء من ناحية عدد الدول التي قد ترعى هذا التوجه، أو من حيث الآلية، كما حدث في أوروبا. 
تساءلت وماذا عن الكونفدرالية الاقتصادية، التي هي نظام اقتصادي يجمع بين عدة دول أو مناطق لتشكيل تحالف اقتصادي يهدف إلى تعزيز التعاون وتبادل السلع والخدمات بين الأعضاء، أو بمعنى آخر تعد الكونفدرالية الاقتصادية العربية هي إطار تعاوني اقتصادي، يهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، إذ يحافظ كل عضو فيها على سيادته الاقتصادية وسياساته المالية الخاصة، لكنه يتعهد بالتعاون في بعض الجوانب الاقتصادية، مثل التجارة والاستثمار وتنسيق السياسات المالية، وهو نموذج أقرب للتطبيق في حال الوطن العربي الكبير، ويمكننا الوصول إليه من خلال السماح بإنشاء الكارتلات الاقتصادية كمرحلة أولى؛ فالتجمعات الاقتصادية العربية، التي كثرت قي الآونة الأخيرة، والتي استحدثتها العديد من الشركات ومؤسسات الأعمال العربية المزدهرة في منطقة الخليج العربي، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ودولة قطر، بالإضافة إلى دولة الكويت، التي سبقت الجميع في ثمانينيات القرن الماضي، من خلال الاستثمار في الدول العربية الإفريقية، وتحديدًا في جمهورية مصر العربية وجمهورية السودان، من خلال العديد من المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية، فيمكننا اعتبار هذه الكارتلات هي بمثابة اللبنة الأولى، وحجر الأساس في تشكيل وتكوين الكونفدرالية التي نطمح لها.
تعد الكونفدرالية الاقتصادية العربية استجابة لمجموعة من الأسباب والمحفزات، التي تدفع الدول العربية نحو التعاون الاقتصادي، ومن بين هذه الأسباب وجود رغبة قوية في تعزيز التكامل الاقتصادي والتجارة الحرة بين الدول الأعضاء.
تهدف الكونفدرالية أيضًا إلى تحقيق تنسيق أفضل بين سياسات الدول الأعضاء، وتهيئة البيئة المناسبة للمستثمرين في المنطقة، وبالإضافة إلى ذلك، تسعى الكونفدرالية إلى تعزيز التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل، وتحقيق التوازن الاقتصادي بين الدول الأعضاء. 
شهدت الكونفدرالية الاقتصادية العربية عدة مراحل رئيسة في تطورها التاريخي، في بداية التأسيس، تم التركيز على تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء، من خلال تشجيع التجارة الحرة وتبسيط الإجراءات الجمركية، ثم تطور الاهتمام إلى تعزيز التنمية المستدامة وتنمية البنية التحتية المشتركة للدول الأعضاء. 
في الفترة الأخيرة، توجهت الكونفدرالية نحو توسيع نطاق التعاون الاقتصادي وتعزيز التجارة والاستثمار بين الدول الأعضاء، ومن ثم الوصول إلى الهدف الأكبر، وهو تحقيق التكامل الاقتصادي العربي بشكله الكبير، ذلك أن تكامل الاقتصادات يوفر العديد من المزايا، بما في ذلك زيادة حجم السوق، حيث يتيح التكامل الاقتصادي للشركات والصناعات الوصول إلى أسواق أكبر، ما يزيد من فرص النمو والتوسع، وتحسين كفاءة الإنتاج، فالتكامل والوحدة الاقتصادية يمكّنان من تحقيق تخصيص أفضل للموارد وتبادل التكنولوجيا والخبرات، ما يؤدي بدوره إلى زيادة كفاءة الإنتاج وتقليل التكاليف، وبالتالي يساهمان في تعزيز الاستثمار من خلال زيادة التدفقات الاستثمارية بين الدول الأعضاء، بما يسهم في تطوير البنى التحتية وتعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين فرص العمل من خلال خلق وإنشاء فرص عمل جديدة، وتوفير فرص عمل أفضل للسكان في الدول الأعضاء.
كما تسهم الوحدة الاقتصادية في تعزيز التبادل التجاري، إذ تسهل من حركة السلع والخدمات بين الدول الأعضاء، ما يزيد من التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي.
كل تلك العوامل مجتمعة تعمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، من خلال توحيد السياسات النقدية والمالية وتنسيق السياسات الاقتصادية بين الدول الأعضاء. 
تعتمد الكونفدرالية الاقتصادية العربية على عدة سياسات اقتصادية لتحقيق أهدافها، تشمل هذه السياسات تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية وتحسين بيئة الأعمال في الدول الأعضاء، كما تسعى الكونفدرالية الاقتصادية العربية إلى تطوير البنية التحتية الاقتصادية للمنطقة العربية، وزيادة الاستثمار في القطاعات الحيوية، مثل النقل والطاقة والاتصالات، وتهدف الكونفدرالية أيضًا إلى تعزيز الاستدامة البيئية وتنمية قطاعات الصناعة المعتمدة على الموارد الطبيعية بطريقة مستدامة ومتوازنة. 
التحديات والفرص هي جزء أساسي من الواقع الاقتصادي الحالي في الكونفدرالية الاقتصادية العربية، حيث تواجه الكونفدرالية تحديات متنوعة في مجالات مثل التجارة الدولية، والتكنولوجيا، والتنمية المستدامة، والاقتصاد الرقمي، وتغير المناخ، والهجرة، والنزاعات السياسية. 
ومن بين التحديات الأساسية التي تواجه الكونفدرالية الاقتصادية العربية هو تحقيق التكامل الاقتصادي الحقيقي بين الدول الأعضاء، وتوحيد السياسات الاقتصادية، وتسهيل حركة السلع والخدمات ورأس المال بين الدول الأعضاء. 
مع ذلك، توجد أيضًا فرص كبيرة للكونفدرالية الاقتصادية العربية، مثل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجارة البينية بين الدول الأعضاء، وتنمية البنية التحتية الاقتصادية والاستثمار في القطاعات الحيوية، مثل الطاقة والسياحة والصناعة والزراعة. 
وباستغلال الفرص المتاحة في الكونفدرالية الاقتصادية العربية، يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتحسين مستوى الحياة للمواطنين في الدول الأعضاء. 
ولتحقيق تكامل أو كونفدرالية اقتصادية عربية، يمكن اتباع مجموعة من الخطوات؛ يأتي على رأسها التوافق السياسي، إذ يجب أن يتم التوافق على الرغبة في تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، وهذا يتطلب الإرادة السياسية من قبل الحكومات والقيادات السياسية في المنطقة، وكذلك توحيد السياسات والقوانين الاقتصادية، فيتعين تنسيق السياسات النقدية والمالية والتجارية بين الدول الأعضاء لتحقيق التكامل الاقتصادي، أضف إلى ذلك إزالة الحواجز التجارية، إذ يجب تخفيض الرسوم الجمركية والحواجز التجارية الأخرى بين الدول الأعضاء لتيسير حركة السلع والخدمات، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الاستثماري.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال تشجيع الاستثمارات المشتركة بين الدول الأعضاء وتوفير بيئة استثمارية ملائمة، وكذلك تطوير البنية التحتية، إذ يجب تعزيز التعاون في تطوير البنية التحتية الاقتصادية، مثل النقل والطاقة والاتصالات، لتيسير التبادل التجاري وتحسين الربط بين الدول الأعضاء، فضلا عن تعزيز التعاون الاقتصادي في القطاعات الحيوية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال التعاون في القطاعات الزراعية، الصناعية، والخدمات، وتبادل التكنولوجيا والخبرات في هذه المجالات. 
كل ذلك يتطلب وجود حوكمة وإدارة فعّالة من خلال تطوير أنظمة حكومية وإدارية فعّالة تسهل عملية اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات المتفق عليها.
هذه بعض الخطوات التي يمكن اتخاذها لتحقيق التكامل أو الكونفدرالية الاقتصادية بين الدول العربية، وهي تتطلب تعاونًا متبادلًا وجهودًا مشتركة من قبل الدول الأعضاء.

مقالات الكاتب

كثيرا ما نسمع عن الأسواق المالية العالمية، إذ يراقب عديد من المحللين والمراقبين الاقتصاديين عن كثب مستويات أداء الأسواق العالمية وتوقعاتها للفترات المستقبلية، وما هي تأثيرات هذه المؤشرات على الاقتصاد العالمي، بل وتخصيص كل أو معظم القنوات الإخبارية بمختلف توجهاتها التحريرية جزء من نشراتها الإخبارية للتغطية الاقتصادية والأسواق المالية، بل إن كثيرا

كثيرا ما نسمع عن الأسواق المالية العالمية، إذ يراقب عديد من المحللين والمراقبين الاقتصاديين عن كثب مستويات أداء الأسواق العالمية وتوقعاتها للفترات المستقبلية، وما هي تأثيرات هذه المؤشرات على الاقتصاد العالمي، بل وتخصيص كل أو معظم القنوات الإخبارية بمختلف توجهاتها التحريرية جزء من نشراتها الإخبارية للتغطية الاقتصادية والأسواق المالية، بل إن كثيرا

2024 أغسطس 10

الصناديق الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، والتي تعرف أيضًا بصناديق الاستثمار الإسلامية أو صناديق الحلال، هي أدوات مالية مصممة لتلبية احتياجات المستثمرين الذين يرغبون في الاستثمار، بما يتماشى والمبادئ الإسلامية، هذه الصناديق بدأت في الظهور في سبعينيات القرن الماضي، خاصةً في الدول الإسلامية ودول الخليج، إذ تأسس أول صندوق استثمار

2024 يوليو 30

في زيارة عمل أخيرة إلى مشروع المدينة المستدامة في إمارة دبي استوقفتني تجربة رائدة جدًّا في مجال المسؤولية المجتمعية للشركات، هي تجربة تستحق إلقاء الضوء عليها، إذ خصص ملاك المدينة ومطوروهامساحات شاسعة من الأرض لتقديم فكر مبتكر ومبدع عن كيفية دمج الأطفال ذوي الهمم بالمجتمع من خلال تجربة محاكاة مجتمعية رائدة ومبدعة، عبر خلق نموذج يحاكي الحي